يُعدّ التروبونين القلبي T (cTnT)، وهو وحدة فرعية من مركب التروبونين تُعبّر عنها خلايا عضلة القلب بشكلٍ فريد، أحد أهم المؤشرات الحيوية وأكثرها تأثيرًا في طب القلب والأوعية الدموية الحديث. وتكمن أهميته في خصوصيته القلبية الاستثنائية، وحساسيته العالية، ودوره المحوري في تشخيص متلازمات الشريان التاجي الحادة (ACS) وغيرها من إصابات القلب، وتحديد مستوى خطورتها، وإدارتها.
يُعدّ التروبونين القلبي T (cTnT) المؤشر الحيوي الأساسي لتشخيص احتشاء عضلة القلب. قبل اعتماد التروبونين، كانت التشخيصات تعتمد على مؤشرات أقل دقة، مثل كرياتين كيناز-MB (CK-MB)، والأعراض السريرية، مما أدى إلى عدم اليقين في التشخيص. يُعدّ إطلاق cTnT في مجرى الدم بعد نخر عضلة القلب مؤشرًا دقيقًا لتلف عضلة القلب. وقد أحدث ظهور فحوصات التروبونين T عالي الحساسية (hs-cTnT) ثورةً في هذا المجال. إذ تستطيع هذه الفحوصات الكشف عن ارتفاعات طفيفة في cTnT أقل بكثير من الحد المرجعي الأعلى (النسبة المئوية 99) لدى الأفراد الأصحاء. وهذا يُتيح للأطباء تحديد إصابة عضلة القلب في وقت مبكر جدًا - غالبًا خلال 1-3 ساعات من وصول المريض إلى قسم الطوارئ - مما يُسرّع من تأكيد التشخيص، والأهم من ذلك، استبعاد احتشاء عضلة القلب بشكل أسرع وأكثر دقة. يُسرّع هذا من علاج الحالات الإيجابية الحقيقية، ويُتيح خروج المرضى ذوي الخطورة المنخفضة بأمان، مما يُحسّن من كفاءة قسم الطوارئ وتدفق المرضى.
إلى جانب دوره التشخيصي، يلعب اختبار التروبونين القلبي T (cTnT) دورًا محوريًا في تحديد مستوى الخطورة والتنبؤ بمآل المرض. يرتبط ارتفاع مستوى cTnT ارتباطًا وثيقًا بمدى تلف عضلة القلب، ويُعد مؤشرًا قويًا ومستقلًا للتنبؤ بالنتائج السلبية على المدى القريب والبعيد، بما في ذلك قصور القلب، واحتشاء عضلة القلب المتكرر، والوفاة. حتى الارتفاعات الطفيفة والمزمنة التي تكشف عنها فحوصات hs-cTnT لدى المرضى الذين يبدون مستقرين، يمكن أن تُشير إلى وجود إصابة قلبية تحت الإكلينيكية، مما يُنذر بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية في المستقبل. هذا يجعل cTnT أداة قيّمة ليس فقط في الحالات الحادة، بل أيضًا في إدارة الحالات المزمنة مثل مرض الشريان التاجي المستقر، وقصور القلب، وأمراض الكلى المزمنة.
علاوة على ذلك، يُعد قياس التروبونين القلبي T (cTnT) عاملاً أساسياً في اتخاذ القرارات العلاجية الحاسمة. ويُعتبر نمط ارتفاع أو انخفاض مستوى cTnT ضرورياً لتشخيص احتشاء عضلة القلب الحاد وفقاً للإرشادات العالمية. ويُسهم هذا التأكيد البيوكيميائي بشكل مباشر في توجيه التدخلات العاجلة، مثل تصوير الأوعية التاجية وإعادة التروية (PCI أو CABG). كما يُساعد في اختيار ومراقبة فعالية العلاجات الدوائية، بما في ذلك مضادات الصفيحات القوية (مثل تيكاغريلور، براسوغريل) ومضادات التخثر.
لا تقتصر أهمية التروبونين القلبي T (cTnT) على حالات القلب غير الإقفارية، بل تمتد لتشمل حالات مرضية أخرى. إذ تُلاحظ مستويات مرتفعة منه في العديد من الأمراض التي تُسبب إجهادًا أو إصابةً لعضلة القلب، مثل التهاب عضلة القلب، وكدمة القلب، والإنتان الشديد، والانسداد الرئوي الذي يُسبب إجهادًا للجانب الأيمن من القلب، والتسمم القلبي الناتج عن العلاج الكيميائي. في هذه الحالات، يُعدّ التروبونين القلبي T مؤشرًا حساسًا على إصابة القلب، مما يستدعي إجراء المزيد من الفحوصات ووضع خطة علاجية مُخصصة.
في الختام، أحدث تروبونين القلب T نقلة نوعية في ممارسة طب القلب. وقد عزز تطوره إلى فحص عالي الحساسية مكانته كأهم مؤشر حيوي لإصابة عضلة القلب. وبفضل دقته التشخيصية الفائقة، ومعلوماته التنبؤية القوية، وتوجيهاته الحاسمة للعلاجات المنقذة للحياة، يُعد تروبونين القلب T أداة لا غنى عنها لتحسين نتائج المرضى في حالات الطوارئ القلبية الوعائية الحادة، وكذلك في إدارة أمراض القلب على المدى الطويل. ويُعد قياسه معيارًا أساسيًا لا يُمكن التنازل عنه في الرعاية القلبية الوعائية الحديثة.
تاريخ النشر: 10 فبراير 2026





